محمد طاهر الكردي

50

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

إليه في الدار الآخرة ، استمر الأمير أحمد ، المشار إليه ، أحسن اللّه تعالى إليه في عمله المبرور ، وفعله المعمور ، بالمعمور مستعينا باللّه ولي الأمور . ثم قال القطبي ، بعد ذكر وفاة السلطان سليم ، رحمه اللّه تعالى ، وتولية ابنه السلطان مراد بن سليم على عرش السلطنة : كان أول عمل عمله اهتمامه بتكملة عمارة المسجد الحرام ، فبرز أمره الشريف العالي إلى أمير العمارة الشريفة ، المشار إليه سابقا ، افتخار الأمراء الكرام " أحمد بك " أن يبذل جدّه وجهده في بناء المسجد الحرام ، ويسرع في إنجاز عمارته بكمال السعي والاهتمام . فبادر الأمير المشار إليه ، إلى بذل الجد والاجتهاد ، وتوجّه بكليته إلى إتمام تمام العمارة في خير البلاد ، فأعانه اللّه على إتمامها ، ومدّ بذلك سائر خدامها ، إلى أن تم بناء الجانبين الغربي والجنوبي من المسجد الحرام ، بجميع شرافاته وأبوابه ودرجاته ، من داخل المسجد الحرام وخارجه ، في أيام هذا السلطان الأعظم الأكرم ، خلد اللّه ملكه الأقوم ، وأيد سلطانه الأفخم ، وأفاض عليه سوابغ الفضل والنعم ، فتمّ وللّه الحمد بسعد طالعه السعيد كل هذا على الوجه الحميد ، بحسن توجهه الشريف وقوة عزمه المشيد ، وكان ذلك في آخر سنة أربع وثمانين وتسعمائة ، وصار المسجد الحرام نزهة للناظر وبغية للخاطر ، وجلاء للنواظر ، وصفاء للقلوب والخواطر ، بحيث ما عمّره الخلفاء العباسيون قبل ذلك لا يحسن عنده أن يذكر ويوصف ، لأن هذا البناء الشريف أمكن وأزين ، وأعلى وأشرف ، فكأنه الآن إرم ذات العماد ، التي لم يخلق مثلها في البلاد ، بعقود عالية كأطواق الذهب في الأجياد ، وقبب سامية كقباب الأقلال الشداد ، وشرافات شريفة مشرفة على المهاد والوهاد ، بل أعلى وأشرف ، وأجل وألطف ، وأرفع وأتحف ، فبني ذلك بالرخام الأبيض المرمر ، والحجر الشميسي المنحوت الأصفر ، كأنه سبك الذهب أو سبك العسجد والجوهر ، مكتوب على الأبواب ، وصدور الأروقة آيات الكتاب ، والاسم السامي السلطاني المستطاب ، بحلي الذهب بخط كسلاسل الذهب ، على كل موضع ما يناسب من الآيات الشريفة القرآنية ، وبالكتابة المنسوبة الفائقة الجميلة ، واختراع الفضلاء لذلك تواريخ عديدة بكل لسان ، واخترت أخصرها لأنه خير مساجد اللّه ، ثم رأيت بعض الفضلاء جعل لهذه العمارة الشريفة تاريخا في بيت مفرد ، فأعجبني نظمه لحسن سبكه واستيفاء المعنى فيه فذكرته وهو هذا البيت : جدّد المسجد الحرام مراد * دام سلطانه وطال أوانه